عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

99

اللباب في علوم الكتاب

قوله : « إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا » « إن » نافية ، و « هي » مبتدأ ، و « حياتنا » خبرها ، ولم يكتفوا بمجرد الإخبار بذلك حتى أبرزوها محصورة في نفي وإثبات ، و « هي » ضمير مبهم يفسّره خبره ، أي : ولا نعلم ما يراد به إلّا بذكر « 1 » خبره ، وهو من الضمائر التي يفسّرها ما بعدها لفظا ورتبة وقد تقدم ذلك عند قوله : فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ [ البقرة : 29 ] وكون هذا مما يفسره ما بعده لفظا ورتبة فيه نظر ، إذ لقائل أن يقول : « هي » تعود على شيء دلّ على سياق الكلام ، كأنهم قالوا : إنّ العادة المستمرة ، أو إن حالتنا وما عهدنا إلّا حياتنا الدنيا ، واستند هذا القائل إلى قول الزّمخشري : « هذا ضمير لا يعلم ما يراد به إلّا بذكر ما بعده » . ومثّل الزمخشري بقول العرب « هي النّفس تتحمّل ما حمّلت » « 2 » و « هي العرب تقول ما شاءت » . وليس فيما قاله الزمخشري دليل له ؛ لأنه يعني أنه لا يعلم ما يعود عليه الضمير إلّا بذكر ما بعده ، وليس في هذا ما يدلّ على أن الخبر مفسّر للضمير . ويجوز أن يكون المعنى : إن الحياة إلا حياتنا الدّنيا ، فقوله « إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا » دالّ على ما يفسّر الضمير ، وهو الحياة مطلقا ، فصدق عليه أنه لا يعلم ما يراد به إلّا بذكر ما بعده من هذه الحيثية لا من حيثيّة التفسير ، ويدلّ على ما قلنا قول أبي البقاء « 3 » - رحمه اللّه تعالى - : هي كناية عن الحياة ، ويجوز أن يكون ضمير القصّة . قال شهاب الدين « 4 » - رحمه اللّه تعالى - : أمّا أوّل كلامه فصحيح ، وأمّا آخره وهو قوله : « إن هي « 5 » ضمير القصّة » فليس بشيء ؛ لأن ضمير القصّة لا يفسّر إلّا بجملة مصرّح بجزأيها . فإن قيل : الكوفي يجوّز تفسيره بالمفرد ، فيكون نحا نحوهم ؟ . فالجواب أنّ الكوفيّ إنما يجوّزه بمفرد عامل عمل الفعل ، نحو : « إنه قائم زيد » و « ظننته قائما زيد » لأنه في صورة الجملة ؛ إذ في الكلام مسند ومسند إليه . أما نحو « هو زيد » فلا يجيزه أحد ، على أن يكون « هو » ضمير شأن لا قصّة ، والدنيا صفة الحياة ، وليست صفة مزيلة اشتراكا عارضا ، يعني : أن ثمّ حياة غير دنيا يقرّون بها ؛ لأنهم لا يعرفون إلّا هذه ، فهي صفة لمجرد التوكيد ، كذا قيل ، ويعنون بذلك أنها لا مفهوم لها ، وإلّا فحقيقة التوكيد غير ظاهرة بخلاف نَفْخَةٌ واحِدَةٌ [ الحاقة : 13 ] . و « الباء » في قوله : « بمبعوثين » زائدة لتأكيد الخبر المنفي ، ويحتمل مجرورها أن يكون منصوب المحلّ على أنّ « ما » هاهنا حجازية ، أو مرفوعة على أنها تميمية .

--> ( 1 ) في ب : تذكر . ( 2 ) ينظر : الهمع 1 / 66 . ( 3 ) ينظر : الإملاء 1 / 239 . ( 4 ) ينظر : الدر المصون 3 / 42 . ( 5 ) في ب : هو .